حبيب الله الهاشمي الخوئي

267

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

الفايدة الثانية نقلوا في سبب هذه الخطبة أنّ أهل الكوفة كانوا في آخر خلافته عليه السّلام قد فسدوا وكانوا قبايل متعدّدة ، فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمرّ بمنازل قبيلة أخرى فيصيبه أدنى مكروه فينادى باسم قبيلته ، مثلا يا للنخع يا لكندة نداء عاليا يقصد به الفتنة وإثارة الشرّ ، فيتألَّب عليه فتيان القبيلة ، فينادون يا لتميم ويا لربيعة ، ويقبلون إلى ذلك الصايح فيضربونه ، فيمضى إلى قبيلته فيستصرخها فتثور الفتن وتسلّ السيوف ، ولا يكون لها أصل في الحقيقة إلَّا تعرّض الفتيان بعضهم ببعض ، وكثر ذلك فخرج عليه السّلام على ناقته فخطبهم بهذه الخطبة كسرا لصولتهم . الفايدة الثالثة قال السيد « ره » ( وهى تتضمّن ذمّ إبليس على استكباره وتركه السجود لآدم عليه السّلام وانّه أول من أظهر العصبية وتبع الحميّة وتحذير الناس من سلوك طريقته ) . أقول : للَّه درّ السيّد فقد وقف على أنجد هذه الخطبة ولم يقف على أغوارها ، وخاض في ضحا ضحها ولم يلجج في غمارها ، أو أن تقريره قصر عن التعبير بما انطوى عليه ضميره ، فانّ الغرض الأصلي لأمير المؤمنين عليه السّلام من هذه الخطبة هو تقريع المتكبّرين ، وتوبيخ المتجبّرين ، وتهديد المستكبرين ، وزجرهم وإزعاجهم عن التجبّر والاستكبار ، وردعهم عن الاتصاف بهذه الصفة الخبيثة الخسيسة والخصلة الرذيلة ولما كان اقتصاص حال إبليس أبلغ في التأدية إلى هذا الغرض وآكد في مقام الرّد والابعاد ، وأشدّ في التهديد والايعاد ، لا جرم صدّر الكلام باقتضاء الحال والمقام لشرح حال إبليس اللَّعين ، وأطنب ببيان ما نزل به من النكال العظيم والعذاب الأليم . وقد ذكرنا في ديباجة الشرح أنّ اللَّازم على الخطيب المصقع أن يراعى حسن الابتداء ويصدّر كلامه بما يناسب الغرض المسوق لأجله الكلام . إذا عرفت ذلك ظهر لك إن كنت من الصناعة أنّ هذه الخطبة تقطر الفصاحة من أعطافها ، وتؤخذ البلاغة من ألفاظها ، وإن تدبّرت عرفت فيها حسن كفايتها